المنجي بوسنينة

593

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الاجتماعيّة المرتبطة بتاريخ تونس المعاصر عموما . وربّما ارتبط إبحار الأستاذ التليلي نحو اختصاص جديد يهمّ التاريخ المعاصر بمفارقات عدّة : فقد كان ثمّة أساتذة عدّة بالجامعة التونسيّة ممن اختصّوا في ميدان بحوثه وتدريسه ، ونهلوا من النهضة ببعديها التاريخي والحضاريّ ، وكانوا يحملون في ذات الوقت على الأستاذ الذي جاء حديثا من فرنسا وعلى أفكاره ، سيّما أنّه كان يدرّس مسألة « النهضة في العالم العربي الإسلامي » باللغة الفرنسيّة ، وليس غريبا أن تبرز تجاهه حساسيّة مفرطة سيّما من قبل أساتذة قسم العربيّة داخل الجامعة . وكان المترجم له يبادلهم الاحتراز نفسه خاصّة أنّه كان في وقت ما يعادي « المركزيّة العروبيّة » ، ويسير أكثر في سياق « المركزيّة الأوروبيّة » والفرنسيّة ، تخصيصا راغبا في أن يلعب دورا معتبرا كحلقة وصل بين الجامعة التونسيّة والجامعة الفرنسيّة وذلك عبر تبادل وفود الطلبة والأساتذة فضلا عن الخبرات والتجارب لا سيّما ضمن قسم التاريخ الذي أشرف على رئاسته فيما بين 1974 و 1980 . وقد عرف مسار المؤرّخ الباحث أيضا المنعرج ذاته ، فقد ارتبطت أبحاثه الأولى بالقراءات الجديدة التي حاول أن يقدّمها لحركة النهضة العربيّة في سياقها العربي الإسلامي من جهة والأورو - متوسّطي من جهة ثانية . كما ارتبطت أيضا بالقراءات النقديّة التي أنجزها حول عدد من مفكّري النخبة الإصلاحيّة وروّادها ( من أمثال خير الدين وابن أبي الضياف وبيرم الخامس إلخ . . . ) عبر الانطلاق من قضايا مخصوصة تهمّ البحث في العمران والمرأة ومفهوم الأمّة والحكومة الجيّدة والمحتويات الاقتصاديّة وغيرها . . . وفي كلّ هذه الأبحاث كان البشير التليلي ناقدا للأفكار السائدة ، حاملا على المفكّر « الكلاسيكي » الذي كان يعتبر التاريخ مجرّد محطّات زمنيّة وتعاقب أشخاص لا غير . فصارت مقالاته ( 14 من جملة 47 مقالة ) التي كتبت حول الفكر الإصلاحي بتونس وبالإمبراطورية العثمانية وعلاقة ذلك بأوروبا والمحيط المتوسّطي ، مراجع يستند إليها ويعتدّ بها فضلا عن أطروحته . ثمّ غلبت تدريجيّا الأبحاث المهتمّة بالتاريخ التونسي - المتوسّطي المعاصر وبالتشكيلات السياسية اليمينيّة واليساريّة التي ظهرت خلال النصف الأوّل من القرن العشرين ، وقد عمل البشير التليلي ضمن السياق على الابتعاد عن الرسوم التاريخيّة الجاهزة والقراءات المتعجّلة التي تصنّف الأحداث ضمن خانة بيضاء أو أخرى سوداء لا غير ، معتبرا أنّ مهمّة المؤرّخ ودوره الأساسي يكمن خاصّة في « إعادة التفكير في التاريخ وليس إعادة كتاباته » . ولعلّ أهمّ تجديداته في ميدان الكتابة التاريخيّة تكمن في انفتاح أبحاثه على بلدان المغرب العربي جميعها وعلى البحوث الجهويّة والمواضيع الأحاديّة الموضوع ، وعلى الأقليّات العرقيّة والفكريّة ، وربط جميع ذلك بالعلاقات بين الشرق والغرب ، والشمال - جنوب . كما جدّد المترجم له كثيرا في المنهجيّة التاريخيّة المعتمدة ، فأولى أهميّة خاصّة إلى المنهج المقارن بالنظر إلى ما يقدّمه من ثراء ، وباعتباره يمكّن من تجاوز الحقائق التي تبدو